November 28, 2009

لا تشكوا المقصرين، حاسبوهم


نقلت صحيفة المدينة يوم الخميس الماضي تصريحاً لوزير النقل الدكتور جبارة الصريصري قال فيه إن السبب الرئيس لدهم السيول أحياء جدة هو إغلاق مجرى السيل بعد إنشاء المخطط الجديد في حي الحرازات. الوزير علل المأساة المؤلمة على إغلاق جزء من مجرى السيل وأن إغلاق مجاري المياه الطبيعية يتسبب عادة في تغيير مجراها إلى الطرق والأنفاق.
كل هذا والأمر عادي جداً، فالوزير – كما هي عادة معظم المسؤولين لدينا – يلوم طرفاً ثالثاً أو رابعاً لما يحل بنا من مصائب، عوضاً عن تحمل المسؤولية المعنوية الكاملة أمام الله وأمام الوطن.
ولكن الجملة التي أصابتني بالدهشة في تصريح معالي الوزير هي أن "جسورنا وطرقنا مصممة على أحدث النظم العالمية".
تذكرت بعد قراءة تصريح وزير النقل التحذير الشجاع الذي جاء على لسان مدير عام الدفاع المدني بالمنطقة الشرقية اللواء حامد الجعيد العام الماضي من خطر انهيار نفق الدمام على المواطنين مع دخول موسم الأمطار. فقد توقع الجعيد في تصريح صحفي غير مسبوق أن النفق لن يصمد مع دخول موسم الأمطار واحتمالية تسببه بحوادث مرورية لانتشار الحفر وانزلاق السيارات ومخاطر طبقة الإسفلت المتردية ومشاكل تصريف وتسرب المياه. لم يقف اللواء الجعيد عند هذا الحد بل طالب الجهات المعنية بإغلاق النفق.
منذ افتتاح النفق وهو يشهد العديد من الأخطاء الهندسية الفادحة وانقطاع المياه عن الأحياء المحيطة به ومشكلة تسرب المياه والتصدعات اليومية التي تظهر على شوارعه. هذا طبعاً غير عدد المرات التي تم فيها إقفال النفق للصيانة والتي أصبحت عادة مستمرة. الشركة القائمة على بناء نفق الدمام تنصلت بالتالي من المسؤولية وأشارت إلى أنها وجهت ثلاثة خطابات رسمية للأمانة أبدت ‏من خلالها عدم اقتناعها بطريقة تصميم النفق. هل نفق الدمام – الذي يفتح ويغلق كل فترة وأخرى - أيضاً مصمم على أحدث النظم العالمية يا معالي الوزير؟
أما جسر تقاطع طريق الأمير نايف بن عبدالعزيز مع طريق الملك فهد بالدمام فهو أسطورة عمرانية بحد ذاته. وسائل الإعلام أشارت إلى "انهيار" الجسر، بينما أكدت أمانة المنطقة الشرقية وبصوت عالٍ أنه ليس صحيحاً إطلاقاً ما تناولته وسائل الإعلام أن الجسر قد "انهار" وأنه يجب علينا أن نفرق ما بين "الانْهيار" و"الميلان". فالذي أصاب جسر الدمام - حسب قول الأمانة الموقرة - هو "ميلان" حاجز أسْمنتي لا يشكل أساساً هيكلياً للجسر، وليس من الأعمدة التي يقوم عليها الجسر وأن المنطقة التي تأثرت من الجسر كانت آخر قطعتين من الحاجز الطرفي، وأن ذلك لا يؤثر على النفق، حيث إن الجسر معلق، والأعمدة التي يقف عليها الجسر تقع خارج النفق كليا. انهيار أو ميلان، هل جسر بالدمام أيضاً مصمم على أحدث النظم العالمية يا معالي الوزير؟
لست مؤهلاً لتقييم قضايا ‏تخطيطية إنشائية (وأقصد عمرانية)، ولكني كأي مواطن آخر حريص على أرواح أبناء الوطن والوافدين وممتلكاتهم. المضحك المبكي في الأمر أنه عندما نقرأ التقارير الرسمية عن حدوث مثل هذه الكوارث في جسورنا وأنفاقنا وطرقنا فإننا في اليوم التالي نقرأ ونسمع عجبا. الدفاع المدني يحمل البلدية أو الأمانة المسؤولية ‏الإشرافية، لأن الدفاع المدني – حسب تعليلهم – لا يجب أن يتحمل أخطاء الغير. المسؤول عن ‏مراقبة أعمال المقاولين وعمليات الإشراف يلوم الشركة المصممة للمشروع والشركة المصممة طبعاً تلوم الشركة المنفذة. من المسؤول عن أن ما تم تنفيذه في الموقع هو مطابق للمخططات التصميمية؟ لا بد أن تكون جهة ما مسؤولة عن اتباع الإجراءات الخاصة بطلبات الفحص المقدمة من المقاول إلى الاستشاري المشرف، والتي من المفترض أن تتضمن فحص الأعمال قبل الموافقة على التنفيذ. هل هذه الجهة هي الأمانة أم مدير المشروع أم المقاول المنفذ أم إنه الْمهندس الاستشاري الْمشرف؟
عودة إلى انهيار الجسر في جدة يوم الخميس الماضي تحت تأثير السيول، يجب أن نكون منصفين عند تحليل هذه المأساة. نتفهم أن المنطقة لم تشهد غزارة كميات الأمطار، ونتفهم أن مياه السيول الغزيرة تحولت بفعل سرعة الانحدار إلى الطريق، فتسببت في حدوث بعض الفتحات في الرمبات الترابية للجسر، ولكن أليست هذه الجسور والطرق مصممة على أحدث النظم العالمية يا معالي الوزير؟
كارثة الانهيارات بعد أمطار وسيول جدة لا يجب السكوت عليها. لقد صرفت الدولة مليارات الريالات على مشاريع تصريف مياه الأمطار والسيول، ومع ذلك مازالت مدننا الرئيسية تغرق "في شبر ميه". خلفت الأمطار العديد من الإصابات البشرية والأضرار المادية، وسجلت العديد من المفقودين، وانهارت على إثرها منازل المواطنين. هذا ليس كل شيء فالسيول أيضاً قطعت طرقا وسدت أنفاقا، وجرفت سيارات كثيرة وارتفع منسوب المياه داخل الأحياء السكنية فأصابت أحياءً بكاملها بالشلل.
نريد أن نعرف أسباب هذه الانهيارات ومحاسبة المقصرين، فلدى معاليه ما يكفي من الصلاحيات ودعم وثقة ولي الأمر.

عبدالله العلمي
صحيفة الوطن
السبت 28 نوفمبر 2009م

No comments: