November 14, 2009

وزير ما شافش حاجة

مقالي في صحيفة الوطن
السبت 14 نوفمبر 2009م

كشف وزير الخدمة المدنية محمد الفايز لمجلس الشورى الأسبوع الماضي أنه "فوجئ" بوجود بنود ومعينين على هذه البنود لم تكن وزارته على علم بها. المهم من هذا الاكتشاف هو تأكيد معاليه أن هناك (180) ألف مواطن ومواطنة يعملون بطريقة غير نظامية عبر (140) بنداً لم يكن يعلم بوجودها. بمعنى آخر هناك التفاف على النظام وتلاعب باللوائح مما يعني أن التعيين يتم بدون تحقيق العدالة في تكافؤ الفرص.
ليس من المفترض أن يعلم الوزير بكل شاردة وواردة بأمور التعيين والتوظيف وخاصة أن (180) ألف مواطن يعملون بدون معايير ولا مؤهلات محددة وبدون منافسة أو مفاضلة. ولكن المفاجأة لم تتوقف عند هذه الحد، فحسب تقرير نشرته صحيفة الرياض فوجئ وزير الخدمة المدنية أيضاً ببند "السوسة" الذي عُين عليه مهندسون زراعيون منذ سبع سنوات براتب (1500) ريال من خارج الباب الأول للميزانية. لله در وزارة الخدمة المدنية، سبع سنوات عجاف وبند "السوسة" خارج نطاق تغطية الوزارة الموقرة وخارج لائحة وأنظمة الخدمة المدنية ولا يصرف عليها من مخصصات الباب الأول للميزانية.
الآن فقط تأكد لي أن للميزانية أبواب بعض مفاتيحها في الوزارة والبعض الآخر في أيادٍ "أمينة" خارج الوزارة.
وبما أننا نتحدث عن الأيادي الأمينة، لننتقل من "سوسة" التلاعب على الخدمة المدنية إلى "سوسة" التقشف في الموارد البشرية. فقد فاجأ عضو مجلس الشورى الدكتور عبد الرحمن الزامل الحضور في "سبتية" الشيخ عبد الكريم الجاسر باستنتاج خطير، وهو أن السعودية من أقل دول المنطقة في الرواتب وأن 80 في المئة من الموظفين رواتبهم تبلغ خمسة آلاف ريال أو أقل. كذلك فاجأ د. الزامل الحضور بأمور أخرى قد أتطرق لها في مقال آخر.
ما يقلقني من استنتاج الدكتور الزامل هو السيل الجارف من الاستشاريين الأجانب الذين يحلون علينا يومياً ببدلاتهم الأوروبية الأنيقة وعقود العمل الخيالية لإجراء أبحاث ودراسات عن الموارد البشرية في السعودية. ألا تعلم وزارة العمل أن 80% من الموظفين السعوديين يتلقون رواتب تقل عن خمسة آلاف ريال شهرياً، أي ما يعادل الأجر اليومي "للخبير" الأجنبي الواحد من ضمن "الخبراء" الذين يغزون ديرتنا، أم إن التأشيرات أيضاً في أيادٍ أمينة؟
من الوزراء الذين يعطونك انطباعاً أنه يعلم بما يدور حوله (على الأقل إعلامياً) معالي وزير الصحة الدكتور عبدالله الربيعة. فقد تلقى معاليه "شكة" إبرة لقاح أنفلونزا الخنازير كأول مواطن يأخذ أول جرعه من اللقاح كدليل على سلامة اللقاح. وهنا تأتي المفاجأة. وزيرة الصحة الفنلندية السابقة أروانى لينا، وعبر شريط مسجل بالصوت والصورة، تتهم أمريكا بأنها أجبرت منظمة الصحة العالمية على تصنيف أنفلونزا الخنازير بدرجة وباء "مهلك" كي تجعل التلقيح إجباريا وخاصة للشرائح المستهدفة أولا من الجيل القادم وهم الحوامل والأطفال. الخطورة في تصريح الوزيرة ليس هنا برغم أهميته، بل يكمن الخطر في أنها تتهم شركات الأدوية بأنها تقوم بالترويج الدعائي لخطورة الوباء وتخويف الناس لإلزامهم بأخذ التلقيحات إجباريا لجني الأرباح الطائلة. هل يعلم المسؤولون في وزارة الصحة خطورة تصريح وزيرة الصحة الفنلندية؟
وعن العلم بالشيء من عدمه، أتفق مع الزميلة مويضي المطيري التي تقول في مقال لها مؤخراً إنها فوجئت برد مسؤول عن إدارة الصحة المدرسية في وزارة التربية (المسؤولة عن سلامة خمسة ملايين طالب وطالبة في أكثر من 30 ألف مدرسة) عند سؤاله عن تأكيد أو نفي وفاة إحدى طالبات المدارس وعن مرض أنفلونزا الخنازير... فكان رده بكل بساطة: "لا أعلم". لا والله فالح وما قصرت.
ولا يقف العلم بالشيء من عدمه هنا، ففي بداية عام 2007 تفاعلت قضية ارتفاع المواد الاستهلاكية والغذائية وخاصة بعد أن تزايدت شكاوى المستهلكين. أتذكر أن وزارة التجارة وقتها لزمت الصمت الكامل، يعني لا من شاف ولا من دري. ثم انطلقت التصريحات والمبررات بين ارتفاع الأسعار على المستوى الدولي وبين زيادة الطلب المحلي. وأخيراً استقر رأي الوزارة الموقرة على ضرورة أن يغير المواطن أسلوب معيشته و"يتأقلم" مع المعطيات على الأرض. طبعاً هذا يأتي من لهفة وزارة التجارة على مصلحة المواطن، وكأنها تقول له: يا ساحرني وبطول غيابك قاهرني... قتلني الشوق لو كان لك قلب راسلني.

No comments: